ورحـل عـزيـز صـدقى
أحـد عشاق الوطـن
حين انتهيت من تأليف كتابى ( أطواق النجاة لأمة تغرق ) وقبل أن ينشر ويصدر بالمكتبات حدثتنى نفسى أن أسعى إلى منحه خاتم الصلاحية والجودة والجدوى ، وخاتم الصلاحية الذى أعنيه هو أن يشهد للكتاب بعض من كبار عشاق الوطن ، ولما كان هذا الكتاب ينشد وطنـًا يحمل فى جيناته كل مقومات القوة والقدرة على البقاء والنماء والتفرد ، فقد كان لزامًا أن أسعى إلى منحه شهادة الصلاحية من عدة رموز تمثل مختلف القوى والتوجهات الوطنية تمهيدًا لخلق حالة وطنية جديدة يتآلف فيها الفرقاء لتتكامل قواهم وتنصهر فى بوتقة واحدة ، وقد استقر ضميرى على عدة رموز وهم على وجه التحديد الدكتور عزيز صدقى والدكتور عبد العزيز حجازى والأستاذ محمد مهدى عاكف والدكتور أحمد زويل والمستشار عوض المر وقداسة البابا شنودة ، ولكننى لم أوفق إلا فى الحصول على شهادتين فقط من الدكتور حجازى والأستاذ عاكف ، أما الدكتور زويل وقداسة البابا فلم أوفق لمقابلتهما ، وأما المستشار المر فقد توفى ( رحمة الله عليه ) فى تلك الأثناء ، وأما الرمز الكبير الدكتور عزيز صدقى ( رحمة الله عليه ) فقد تركت له مسودة الكتاب بمكتبه الكائن بحى الزمالك ثم أجريت عدة إتصالات بمدير مكتبه الأستاذ مصطفى أسفرت عن مقابلة مع الرمز الكبير الراحل لم تزد عن ثلث الساعة ولكن ماقيل فيها كثير وهام وأنقل لكم فيما يلى بعضـًا منه : ــ
كان اليوم هو أحد أيام شهر يوليو من العام الرابع بعد الألفين من الميلاد ، وصلت إلى مكتب سيادته فى حدود العاشرة صباحًا ، فاستقبلنى الأستاذ مصطفى بكل ترحاب وكرم خلق ، ثم انتظرت لدقائق معدودات دخل بعدها الأستاذ مصطفى إلى حجرة الدكتور صدقى وأبلغه بوجودى فوافق على بدء اللقاء ..
أدخلنى الأستاذ مصطفى إلى الراحل الكبير أحد رموز عشاق الوطن بشهادة كل من عمل معه أو عامله حتى وإن كان من المختلفين معه فكريًا ، ثم أشار الدكتور صدقى إلى الأستاذ مصطفى بالإنصراف فخرج وأغلق الباب ليبدأ لقاء لم يشهده سوى ثلاثة وهم الدكتور صدقى وكاتب المقال وخالقهما ..
بعد البداية التى لمحت خلالها وجهًا ينم على صرامة صاحبه وقوة شخصيته ( وأعنى بذلك الدكتور صدقى ) ، بادرنى رحمة الله عليه بسؤال لم أتوقعه ، قال لى ماذا تريد منى ؟ ولكننى قبل أن أجيب واصل سيادته الحديث وقال لى يابنى أنا رجل منتهى الصلاحية !! ثم واصل بسؤالى هل تعلم أننى من مواليد عام 19 أى أننى أبلغ من العمر 85 عامًا ؟ تجمدت الكلمات فى حلقى ولكننى أسلتها فبدأت تخرج متتابعة ، قلت لسيادته أنتم هكذا ياريس تحكمون علىّ بالصمت ، لأن شخصكم الكريم وعطاؤكم الكبير ووطنيتكم الشامخة يشهد لها الجميع ‘ فإذا كنت تصف نفسك بأنك منتهى الصلاحية فمن منا إذن له صلاحية ، ولماذا أنا ألفت كتابى ولماذا أنا هنا ؟
سألنى مرة أخرى وماذا باستطاعتى أن أقدمه لك ؟ فقلت له أننى أتمنى أن يتزين الكتاب بكلمة تقديم من سيادته ، فسألنى وما هو مضمون الكتاب ، فقلت لسيادته أنه يتكون من خمسة فصول أسميتها أطواق النجاة ، وأن طوق النجاة الأول يدعو إلى حتمية إعادة صياغة وترتيب منظومة القيم السائدة فى المجتمع لإعداد المجتمع وتأهيله لصناعة نهضة كبرى علمية عملية أخلاقية قادرة على البقاء والنماء المتواصل ، وأما طوق النجاة الثانى فأقدم من خلاله الملامح الأساسية لسياسة تعليم جديدة تمامًا أراها خالية من كل سلبيات التعليم الحالى وقادرة على تحقيق الكثير من الإيجابيات ، وأما طوق النجاة الثالث فأقدم من خلاله رؤيتى فى إصلاح الدستور والعلاقة بين السلطات ، وأما طوق النجاة الرابع فأطرح من خلاله بعض المقترحات المتعلقة بأهم قضايا السكان ، وأما طوق النجاة الخامس والأخير فقد تناولت من خلاله العلمانية الغربية بالنقد والتحليل ثم أعقبتها بنقد ذاتى لأوطاننا وأمتنا ثم أعقبته بملامح السياسة الخارجية التى أتمنى تطبيقها على أسس من العدالة والندية واحترام الآخر .. نظر لى الدكتور صدقى بعمق ثم سألنى ، وأنت الذى كتبت كل هذا ؟ فقلت له نعم .. فقال لى أما عن طوق النجاة الأول فأنا أتفق معك فى مضمونه اتفاق كامل ، وأما عن باقى الأطواق فلا أستطيع أن أصدر فى شأنها رأيًا حتى أقرأها .. ثم تطرق الحديث ــ وهذا متوقع تمامًا ــ عن العهد الناصرى وإنجازاته مرورًا بعهد السادات ثم عهد مبارك ، ثم فاجأنى سيادته بسؤال أرجح أنه سألنى إياه لكى يتبين أبعادًا معينة فى شخصيتى وتوجهاتى ــ وأقول أرجح أما ماكان فى نية سيادته فلا يعلمه إلا الله ــ قال لى أتظن أن مصر فى حاجة إلى ثورة جديدة ؟ ففاجأته أنا بالإجابة وقلت له نعم مصر فى حاجة ماسة إلى ثورة جديدة .. ولكنها ليست كثورة 19 وليست كثورة 52 ، فهاتان الثورتان قامتا فى ظروف لاوجود لها فى الحاضر ، إننا ياسعادة الريس فى حاجة إلى ثورة فكرية ، ثورة قادرة على حمل سجادة الوطن والمواطن ونفضها بشدة وتتابع وعزم حتى تخرج من ثناياها كل أتربة وفيروسات الفساد والمفسدين ..
كانت هذه هى أول وآخر لقاءاتى بالرمز الكبير عاشق الوطن الدكتور عزيز صدقى رحمه الله وجزاه كل الخير عما قدمه لوطنه من إنجازات وعما حلم به لوطنه من آمال ..