بعد أن وضعت حرب أمريكا على العراق أوزارها -أو كادت- ؛ تنصرف الاهتمامات الإعلامية والمتابعات الإخبارية عن معاناة الناس وجراحاتهم في الحرب إلى المتابعات السياسية، وما يرتبط بها من موضوعات، فيغفل الناس -أو كثير منهم- عن نوع آخر من المعاناة، وعن ضرب آخر من المشكلات التي تظل تؤثر في قطاع من المجتمع في أزمنة ما بعد الحرب.
فمن ذلك الإعاقات البدنية المزمنة التي خلفتها الصواريخ والقنابل، والمشكلات الاجتماعية التي أورثها فقدان العائل ورب الأسرة، أو فقدان فرص العمل والاستقرار .
ومنها المضاعفات النفسية، وأهمها ما يعرف بـ( الاضطرابات النفسية لما بعد الأزمة ) ، وهو حديثنا هنا اليوم .
الاضطرابات النفسية لما بعد الأزمة: هي من الأمراض النفسية المعروفة التي تصيب بعض الناس عقب تعرضهم لحالة من الصدمة، أو الإصابة البدنية الحادة، كما يحصل في ما بعد الحروب من فقدان الأحبة، أو التعرض لحوادث عنيفة أو كوارث طبيعية .
أكثر المصائب أو الأزمات التي يعقبها هذا المرض هو تعرض الشخص أو أحد أحبائه أو أقربائه للموت، أو الإصابة العنيفة الشديدة، أو التعرض لمشاهد الموت والدمار والخراب، كما يحصل في الحروب والكوارث الطبيعية .
ويقتصر التعريف الطبي هنا للأزمات والكوارث على ما كان منطويا على تهديد بالموت أو الإصابة البدنية الشديدة، فلا يشمل المصائب الأخرى كالطلاق أو المرض المزمن أو المشكلات الاجتماعية الحادة، فتلك لها مضاعفات نفسية مختلفة .
يصيب هذا الاضطراب النفسي 1 % من الناس، ولكن في بعض الفئات مثل الجنود المحاربين تزيد نسبة الإصابة إلى أعلى من ذلك .
الأعراض والعلامات
يعاني كل الناس من التأثر وقت حدوث الأزمة أو المصيبة، وربما لساعات أو أيام بعدها، وهذا يُعدّ -إلى حد ما- أمراً طبيعياً وتأثراً متوقعاً ، ولكن إذا ما امتد هذا التأثر لفترة طويلة، وتعرض الإنسان لنوبات من الهلع والفزع -رغم مرور وقت طويل على حدوث المصيبة- فذلك يعد اضطرابا مرضياً، غير طبيعي، يحتاج صاحبه إلى العلاج .
والذي يحصل -حقيقةً- هو استعادة الإنسان لظروف المصيبة وأجوائها، كأنها تحدث لأول مرة، ويتكرر هذا كثيراً أثناء النوم على شكل كوابيس وأحلام مفزعة، أو أثناء اليقظة عبر لقطات سريعة لأحداث المصيبة ( Flashback ) .
ولذا فإن أبرز الأعراض: الخوف الشديد والرعب، والشعور بالعجز، ومحاولة تفادي أية أمور تذكِّر بالمصيبة أو بأجوائها المفزعة ، يضاف إلى ذلك حالة من الكآبة والحزن، مع صعوبات في النوم، مع شعور بالاغتراب والعزلة . وتنعكس حالة المريض على قدرته على أداء أعماله ووظائفه، وممارسة حياته بشكل طبيعي ؛ فيعاني من صعوبات في علاقاته الاجتماعية ووظيفته كزوج أو أب أو عائل لأسرة.
تتشكل صورة المرض من الملامح التالية :
أولا : أن يكون المصاب قد تعرض لكارثة أو لمصيبة كان فيها تهديد لحياته أو لأحد أقربائه، أو حدث الأمر أمامه، وكان وقتها يعاني من خوف ورعب مفرط وشعور بالعجز .
ثانياً : أن يبقى أثر ذلك الحادث وذكراه حاضراً في النفس لفترات طويلة، وربما لسنوات، أو طوال حياة الإنسان ، ويكون لتلك الذكرى -أو ما يرتبط بها من عوامل- من قوة التأثير بحيث تستدعي الصور الذهنية، والأعراض النفسية التي تماثل ما حدث وقت الكارثة من الخوف والرعب الشديد؛ فتظهر على المريض نوبات الهلع والذعر، إما في حال اليقظة أو المنام على شكل كوابيس وأحلام مفزعة . وقد تكون هناك عوامل مرتبطة بالحادث تستدعي كل تلك الأعراض؛ مثل : ذكرى المكان أو الزمان، أو الأشخاص .
ثالثاً : عنصر التفادي، وذلك ما يقوم به المريض من سلوك نفسي أو ذهني أو اجتماعي كي يتفادى التعرض مرة أخرى لأجواء المصيبة وذكرياتها . فمن ذلك رفض التكلم عن الحادث والإعراض عنه، ورفض زيارة الأماكن التي وقع فيها المصاب، وتفادي اللقاء بالأشخاص الذين تواجدوا وقت الكارثة، وما إلى ذلك... ، وربما أدى ذلك إلى ما يعرف بفقدان الذاكرة الصوري أو غير الحقيقي .
رابعاً: من عناصر التشخيص -وهو من أهمها- ما يعرف بحالة (فرط التيقظ) حين يعاني المريض من أعراض قلق حاد، ومن نوبات الهلع والذعر من وقت لآخر، مع أعراض تشبه إلى حد ما أعراض التشكك والارتياب مما يحيطه ( Paranoia ) .
خامساً : أن يكون لكل ذلك أثر واضح في تدني قدرة المريض على أداء وظائفه الشخصية ، والاجتماعية، وعلى علاقاته ودوره.
وحين يكون المرض مزمنا؛ فإنه يعاود الظهور من وقت لآخر فتخف حدة الأعراض، وتزيد بين فترة وأخرى، وقد تزيد أعراض المرض عند تعرض الشخص لأزمات نفسية أو أزمات صحية، أو ظروف اجتماعية صعبة .
وهنا عدة عوامل تزيد من حدة المرض وإمكانية وقوعه، ومن
ذلك:
- شدة المصيبة أو الكارثة، وطول فترتها وفجأتها.
- مدى استعداد الشخص، وتركيبته النفسية، وقوة تحمله.
- نوع البيئة الاجتماعية المحيطة، ومدى الدعم الاجتماعي المتوفر.
- مدى تزامن المصيبة أو الكارثة مع مشكلات صحية، أو اجتماعية، أو نفسية أخرى.
- مدى تقبل المجتمع لمثل تلك المصائب، وطريقة تعامله معها، ونظرته للمصابين فيها.
وربما تظهر الأعراض بعد وقت طويل من حدوث الأزمة -ربما أشهر أو سنوات- وإذا ما امتدت الأعراض إلى أكثر من ثلاثة أشهر، فيُعدُّ المرضُ حينئذٍ مزمناً .
وإذا لم يتم علاج هذا المرض ؛ فقد تخف حدة الأعراض مع مرور الوقت إلى أن يشفى المريض تماما. غير أن هناك بعض الحالات التي تبقى فيها الأعراض، فتنشط من وقت لآخر .
العــــــلاج
الحقيقة أنه ليس هناك علاج شافي يقضي على المرض نهائيا، وإن كانت بعض أنواع العلاجات تعطي نتائج واعدة .
تتلخص المعالجة في العلاج السلوكي، والعلاج بالعقاقير، والعلاج النفسي .
العلاج السلوكي: يكون بتعويد المريض على التعرض لأجواء آمنة كان يظن سابقا أنها ربما تعيد له ذكرى المصيبة أو الكارثة ،وبث الطمأنينة في نفسه .
جزء آخر من العلاج السلوكي هو تعريض وتعويد المريض على الرجوع إلى بعض الأماكن، أو الاتصال ببعض الأشخاص، أو رؤية بعض المناظر التي ارتبطت بالكارثة أو المصيبة، ويكون ذلك بشكل متدرج .
ومع أن هذا قد يولد في النفس في بادئ الأمر شعوراً بعدم الراحة والقلق والتوتر؛ إلا أن هذه الأعراض تخف مع الوقت، ويكون الأمر مفيداً على المدى الطويل إذا تم تحت إشراف طبي .
من العلاجات السلوكية –أيضا- معالجة بعض السلوك (الوسواسي) الذي نتج عن المرض، مثل الحرص المفرط في اتخاذ وسائل الأمان والسلامة، أو الشك في الآخرين .
وأما العلاج النفسي: فهو مهم جداً إذ أنه يتلخص في إشعار المريض أنه ليس وحده، وأنه يعيش في جو آمن بعيداً عن الأزمة وأجوائها . كما يتركز في إشعار المريض بالتعاطف والتآزر والمواساة .
كما أن العلاج النفسي يركز على تعليم المريض التعامل بطريقة صحيحة مع الذكريات الأليمة التي تعاوده بين حين وآخر، وتعليمه كيفية التغلب على مشاعر القلق والتوتر التي قد تصاحب تلك الذكريات .
وهناك جانب لابد منه في العلاج النفسي وذلك بمعالجة ما يكون من شعور بالذنب ولوم الذات ؛ فقد يلوم المريض نفسه على بقائه حياً بينما توفي بقية أفراد العائلة، أو ربما يلوم نفسه على التقصير و عدم بذل المجهود لإنقاذ أحبائه، أو لتصرفه بطريقة خاطئة -كما يظن- في وقت حدوث المصيبة.