كان خالد لا يهمه شيء من الدنيا سوى ملذاته، لا يسأل عن أولاده ولا بيته، لا عمله ولا أهله، كان كل ما يريده هو العبث مع شلّة من السيئين أمثاله كان يذهب كل ليلة لملاقاتهم في المجلس المخصص لشهواتهم المقززة وتعاطي المخدرات، السكر ولعب الورقة ومشاهدة الفضائيات والإيقاع بالفتيات الصغيرات المسكينات اللواتي يقعن تحت أيديهم، لم يفكر يوماً في أن أبنته أصبحت شابة وفي سن أولئك الفتيات، أساساً لم يعد يتذكر أنه أب ولديه مسؤوليات تجاه أولاده، كانت فاطمة ابنته البكر والتي أصبحت في الرابعة عشرة هي من تهتم بالصغار لا يكفيها موت والدتها المبكر ومعاناتها وحرمانها منها ومن عطفها وحنانها، بل كانت هي تغدقه على أشقائها لتعوضهم حرمانهم من والدتهم، فكانت الأم والأب لهم، كانت تطبخ ما تيسر لهم من الأرز، فوالدها لا يترك لها مالاً عندما يخرج، كانت تجمع الدراهم واحداً تلو الآخر في حصالة صغيرة لتبتاع بها قوت يومهم، لكن الله سبحانه تعالى لم يتركهم إذ أرسل لهم من يساعدهم، كانت جارتهم تحضر لهم كل يوم طعاماً مما تطبخ، عرفت واحدة أخرى فاتفقت معها على أن تتناوبا كل يوم واحدة تحضر لهم الطعام وأخرى الفاكهة، عرفت ثالثة فقررت المشاركة بكسوتهم رابعة بإعطائهم المال للمدرسة، وهكذا كبرت فاطمة وهي تشعر بالخجل والعرفان لجاراتها اللواتي كنّ يحببنها جداً لأخلاقها واهتمامها بأشقائها،وهي تحتاج من يهتم بها، كانت تحبهم جداً أكثر من والدها الذي بالكاد تراه، فهو ان أتى الى المنزل يكون لتبديل ملابسه او للنوم أو لضرب أولاده عند أي خطأ يصدر عنهم، كانوا يكرهونه بسبب أفعاله لكن فاطمة كانت تمنعهم من ان يتكلموا عنه بأي سوء قائلة انه والدكم والله سبحانه تعالى أوصانا به، فقط ادعوا الله ان يهديه وسوف يعود لنا كما كان محباً عطوفاً، فموت والدتنا قد اثر فيه جداً، كانت تتكلم بحكمة كسيدة كبيرة فإيمانها وتلاوتها للقرآن الكريم وصلاتها منحتها الحكمة والرزانة، كانت جارتها الملاصقة لمنزلهم تسمعها كيف تكلم أشقاءها حين تكون جالسة معهم في فناء المنزل وتبتسم بعطف ومحبة، كيف انها تدافع عن والدها ولا تريد ان تهتز صورته أمام إخوتها، فهو لم يكن يوماً جيداً مع والدتها ولا معهم كانت، تسمع صراخها عندما يضربها في المساء حين يعود الى المنزل وهو سكران، لم يكن يصلي ولا يخاف الله، حتى المسجد لم يكن يذهب إليه أيام الجمعة، لكنها ومن محبتها وخوفها على الصغار وفاطمة تحديداً، وكانت تنتظره على غلطة والويل لو يتجرأ ويرفع يده عليهم ليضرب احداً منهم فقد قررت ان تتصل بالشرطة ليسجنوه لأن غيابه عنهم أفضل لهم من رؤيته في الحالة التي يأتي بها الى المنزل حيث كانت فاطمة كل مساء تدعو الله ان يصل سالماً، وفي ليلة كانت تنتظره فيها كالعادة سمعت صوت سيارته تقف أمام المنزل فذهبت مسرعة تفتح له الباب فسمعته يغني بصوت عال وضعت يديها على أذنيها حتى لا تسمعه لكنها رأته وكان بحالة مزرية يضع العقال على رأسه دون غترته حاملاً نعاله بيديه ويترنح يميناً ويساراً يضرب الجدار ويقول له كيف تتجرأ ان تقترب مني ثم يضحك ويربت عليه، خرجت لتساعده فرأت رجلاً آخر وهي برداء النوم، خافت منه وتسمرت في مكانها لدقائق قبل ان تسرع الى الداخل وتستر نفسها، فقد رأته كيف تبعها وشعرت بنظراته على جسدها، أصبحت تشد بعباءتها تلفها بإحكام وخوف من عينيه الحمراوين المخيفتين وشكله المرعب، جلسا على الكنبة، وقال لها اذهبي واحضري زجاجة الويسكي من المطبخ فما كان منها إلا ان أجهشت بالبكاء وتوجهت الى غرفتها وهي ترتجف، كان الوقت قد أصبح متأخراً جداً ونام خالد نصف جسمه على الكنبة ونصفه الآخر على الأرض، وفجأة رأى شيخاً عجوزاً مهيباً يقف أمامه ويقول له جاءك الموت يا تارك الصلاة.. ارتجف من الخوف ونظر إليه قائلاً من أنت، فأجابه ليس المهم من أنا بل لماذا أتيت، فقد وصل يوم الحساب وسوف ترى العالم وما يحويه من أباطيل يضمحل أمام عينيك، وكيف انك لأجل لا شيء خسرت نعم الله وخسرت نفسك فأنت لم تؤمن منزلاً لك في هذا العالم وطبعاً خسرت المنزل الثابت والأبدي في جنته، أنت كنت ضيفاً في هذه الحياة الفانية فلم تهتم، كنت تعيش حياتك بالطول والعرض قائلاً: صحتي جيدة وعندي الكثير من المال الذي اخبئه حارماً أولادي منه، أنظر الى الكفن هل توجد فيه مخابئ وجيوب لن تأخذ معك سوى اعمالك وهي لم تكن أبداً صالحة، أنظر هل ترى نفسك ممدداً على فراش الموت وأولادك بجانبك يبكونك، تودعهم بنظراتك وتموت، يلقونك في حفرة القبر وعذابه فتصبح مأكلاً للديدان والحشرات الى ان تستحيل تراباً، أما نفسك فتقف بعدها أمام الله العلي العظيم ليحاسبك فيكون سبحانه الحاكم اما الشاكي فسيكون الشيطان الرجيم والدعوى هي خطاياك الكثيرة وسيئاتك، أما الحكم فهو مبرم والعقاب جهنم، انت وحدك حاضر لا محام ولا عاذر، الحساب يتناول كل فعل وإهمال مهما يكن صغيراً، جهنم سجن مظلم يشتعل ناراً فيه الهالكون يتألم كل عضو فيهم وحاسة فالأعين بالدخان وأشكال الشياطين، الآذان بسماع اللعن والتجديف والصراخ من الألم دون توقف الأنف، بروائح النتن والكبريت الذوق والفم بالجوع والعطش دون ارتواء.. عذاب دائم وأبدي لا ينتهي، لا راحة ولا عزاء، اما عقلك وذاكرتك فيتعذبان بتوبيخ الضمير والندم على ما خسرته وكان موقوفاً على أشياء بسيطة طلبها الله منك بعد ان منحك كل شيء لكن لا وقت الندم.. صرخ وقال اتوسل إليك خلصني وسوف افعل ما تريد أجابه افعل ما طلبه الله منك اذا ما قرر منحك فرصة ثانية فحاول ان تستغلها وتكفر عما فات، لا تزال تستطيع، استغفر الله وتب توبة لا رجوع عنها والله غفور رحيم.. قام خالد ليرى نفسه في منزله جالساً على الأرض والعرق يتصبب منه قفز من مكانه وامسك الرجل النائم ورماه خارجاً وتوجه بسرعة الى غرف أولاده يقبلهم ويبكي معتذراً عما جعلهم يعانون، نظر خلفه عند سماعه صوت بكاء فوجد فاطمة تقف كالملاك أخذها بين ذراعيه وقال هل تسامحيني، أجابته اذا كان المولى يسامح فمن أكون أمامه، هيا يا والدي الحبيب لقد استجاب الله دعائي وصلاتي ادخل واستحم لتذهب الى المسجد وتبدأ بداية جديدة بإذنه تعالى.