النطاق الذي تعمل فيه سنة المدافعة أوسع بكثير مما نظن، وهي فعلاً تحترف كل مجالات الحياة، وإذا تأملنا في هذه المسألة فإننا سنجد أن (المدافعة) مرتبطة ب(المغايرة) إلى حد بعيد فحين يلتقي شخصان، أو يحدث احتكاك بين مجموعتين أو شعبين أو هيئتين... تبرز جوانب من التوافق وجوانب من الاختلاف والتغاير: اختلاف على صعيد العواطف والأمزجة والأهواء، واختلاف على صعيد الرؤية والفهم والتقدير، واختلاف على صعيد المعرفة والخبرة والخلفية الثقافية واختلاف على صعيد الأهداف والغايات والطموحات الصغيرة والجزئية وأحياناً الكبيرة واختلاف على صعيد المصالح والمنافع، وكذلك على صعيد العادات والتقاليد... حين نقول: إن كل واحد من بني آدم هو عبارة عن مخطوطة فريدة أو لوحة يتيمة، فهذا يعني أن نوعاً من المغايرة والاختلاف هو واقع لا محالة بين أي شخصين من الناس، وهذا يترتب عليه – كما ذكرنا- نوع من المدافعة أو المصادمة الناعمة أو الخشنة، وهذه المدافعة تمضي في العادة على نحو غير واعٍ، ولا يقف خلفها في معظم الأحيان أي نوايا سيئة، ويمكن أن نلمس تلك المدافعة داخل الأسرة الواحدة، حيث إننا نعرف أن مصالح الناس لا تتطابق كما تتطابق عند الزوجين، ومع هذا ففي لحظة ما يتحدث كل واحد منهما عن مصلحة خاصة ومغايرة لمصلحة شريكه، ويقع الطلاق بعد مدافعات وموازنات كثيرة.
ويمكن أن نذهب إلى أبعد من هذا حين نتأمل في أوضاعنا الخاصة، فالواحد منا يمارس النقد الذاتي على نحو واسع جداً، وحين يفعل ذلك فإنه يقسم ذاته إلى قسمين، أو قل: إنه يجرد من شخصه شخصاً آخر ينتقده ويلومه ويوبخه، ويعامله أحياناً معاملة قاسية، ونحن كثيراً ما ندفع رغباتنا ونزواتنا وأهواءنا بما لدينا من خوف من الله – تعالى – وورع وحكمة... بل يمكن القول إن في داخل كل المستقيمين والأخيار والحكماء ساحة للاعتراك بين الخير والشر والحق والباطل، وما يليق، وما لا يليق، إنها عملية تدافع شبه مستمرة، ولا راحة لمؤمن إلا بلقاء ربه.
أود في هذا السياق أن أشير إلى ثلاث نقاط مهمة:
1- شيء جيد أن ننظر إلى (المدافعة) على أنها شيء ضروري لاستقامة الحياة والبعد عن الشطط، وأن ننظر إليها على أنها شيء طبيعي يحدث في كل مجال وكل مكان وزمان؛ وذلك لأن بعض الباحثين والوعّاظ يذكرونها في سياق سلبي، ويصورونها على أنها شر لا بد منه، أو على أنها شيء مراد للضغط والقهر. لا شك أن الناس إذا لم يتعلموا أصول التدافع فإن ما بينهم من خلاف واختلاف قد يؤدي فعلاً إلى تدمير الأرضيات المشتركة التي يقفون عليها. ويؤسفني أننا على صعيد الصحوة لا نبذل الجهد الكافي لبلورة فقه المدافعة وهندستها ولا بلورة مواصفاتها وشروطها!.
2- نحن نريد للمدافعة أن تكون مصدر لدرء الشر وتحجيمه إلى أدنى حد ممكن، وهذا يتطلب فهماً عميقاً ودراية واسعة بطبائع الأشياء وسنن الله –تعالى- في الخلق، كما يتطلب خبرة واسعة بالتداعيات التي ترتبط بالأحداث والمواقف المختلفة، وقد كانوا يقولون قديما: إن التفريق بين الخير والشر ليس بالأمر العسير بالنسبة إلى معظم الناس لكن الذي يحار فيه أكثر الناس هو دفع شر الشرين، أو التخلص من الشر بأقل قدر ممكن من المخالفات والخسائر. هذا أب أراد أن يربي ابنه تربية حازمة، فطرده من المنزل بسبب خطأ فاحش وقع فيه.
وكانت النتيجة وقوع الولد في مصيدة قرناء السوء وضياعه على نخو كلي! وهذا امرأة أرادت أن تخفف من تسلط زوجها عليها وأن تُخضعه لسلطانها، فقالت له: إن لم تطلقني فلست رجلاً، فما كان منه إلا أن طلقها، وتبعثرت الأسرة، وحلت بها الندامة!.
إن دفع شر الشرين وارتكاب أخف الضررين من الأمور التي يكثر فيها الخطأ بسبب ضعف المعايير التي تساعدنا على التفريق بين هذا وذاك، وبسبب ضآلة الخبرة التي نمتلكها في هذا الشأن، وهذا مما عمَّت به البلوى على مستوى العالم، وليس هناك أمل بحدوث اختراقات كبيرة أو قفزات نوعية، وإلى الله المشتكى!.
3- يمكن للمدافعة أن تكون عامل نماء وارتقاء، وذلك حين نعتقد أن الكمال الخلقي والروحي والعقلي لا حدود له، فهو شيء نناهزه ولا نبلغه، لكن الذي يحدث هو أننا كثيراً ما نسكن ونطمئن إلى ما نحققه من خير ونجاح مقبول، ونتوقف عن متابعة التقدم، وذلك حين نستنفذ الطاقة الروحية المطلوبة لذلك، أو حين نتوهم أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. نحن في حاجة إلى الاعتقاد بأن الجيد هو عدو الأجود، والفاضل هو عدو الأفضل، وعلينا أن ننحاز في التدافع بينهما إلى الأجود والأفضل، أي ندفع الجيد والفاضل بهما، وهذا يتحقق عن طريق الاستعانة بالله – تعالى- في كل الأحوال، والتصميم على مراكمة الإنجازات الصغيرة؛ والله الموفق.
للحديث صلة.
***************************************
أحبتي :
لنرقى مع هؤلاء المفكرين فهم يستحقون
أن نتبعهم ...
صورة لكل قابع بمحيط تافه لا يفيد ولا يستفيد ...
يعني على الهامش
بقلم
د. عبد الكريم بكار