عندما تبحث المرأة عن زوجها بين الرمال!
في عقدها الرابع تبدأ المرأة في وضع يدها على قلبها.. تنصت لدقات خوفها وهي تقف أمام مرآة العُمر.. تتحسس تجاعيد بدأت في الزحف نحو وجهها دونما استئذان.. هاجس الرعب يقتلها على زهرةٍ أوشكت قطرات نداها على السقوط.. وتزداد خفقات توتر أيامها وهي تنظر بكامل حزن إلى نصفها الآخر وهو يحزم حقائب أحلامه ويُغادرها يُلوّح بأن ثمة حياة جديدة تنتظر شبابه وقوته وعنفوانه...
تُناديه بأعلى درجات حنينها وبذكرياتِ أشـواقٍ مـضت أن يـعود، تعزف سيمفونية الرجاء والعتاب: "أنتَ في الخمسين من عُمـرك"...
الصوت الساخر يُقاطعها: "أحلى شباب.. والعُمر أمامي"...
تصرخ بصمتٍ: "يا ويلي.. لقد انتصف العُمر".
"حُسام" أدار ظهره للواقع رافضًا البقاء مع زوجته: "كان لا بد أن أعيد تقييم حياتي من جديد.. فأيامي بدأت تنساب مني كما الماء بين الأصابع.."، ويستدرك متسائلا: "لماذا لا أنشد الحب المفقود وأنطلق نحو الحياة؟".
باحثون عن الحياة
حسام الذي ارتبط بزوجةٍ ثانية تكبره بـ"عشرين" عامًا برّر الانسياق نحو أزمة منتصف العُمر برفض الرجال لحياة الروتين والملل، وأردف قائلا: "أن ينام الرجل ويصحو على صوت الفتور والقلق أمر مُزعج.. وغياب المودة كفيل بدفعه نحو البحث عن وسيلة تعوضه ما فات"...
"المرأة أولاً وأخيرًا" بهذا الاتهام بدأ "أبو عمر" -الخارج للتو من أزمةٍ عصفت بحياته بسبب "منتصف العُمر"- حديثه إلينا وواصل: "زوجتي تعتبر أن رسالتها في الحياة رعاية شئون البيت وتربية الأولاد واتجهت بكامل قوتها نحو تحقيق هذا الهدف.. لم أشعر بكوني مُهملا إلا بعد أن انتصف بي العُمر.. انتابتني ثورة من الداخل لأتمرد.. بحثت عن مغامراتٍ عاطفية انتهت بالزواج، ولكن للأسف بدأت المشاكل تنمو يومًا بعد يوم.. لم أستطع التوفيق بين حياة الأمس والحاضر"..
وقع في حبائل أزمة منتصف العُمر؛ بسبب شعوره بالغضب الشديد لتفانيه في تقديم أبهى أيامه وأجملها لمن لا يستحق: "صدّرت الحنان وإشعاعات الأمل.. وكامل الحب وماذا كانت النتيجة.. فتورٌ ولا مبالاة.. وعدم اكتراث.."، وأمام هذه الصورة قرّر سامر "44 عامًا" بناء بيتٍ جديد يُنبش في زواياه عن الكنز المفقود.
ما عاد البقاء جميلا
الشيب كسا الرأس والأيام تمضي لاهثةً دون أدنى التفاتة للوراء.. وأبو خالد قرر أن يتحدى الحاضر: "صبغت شعري باللون الأسود.. وقررت أن أعيش الحياة كما الشباب.. ألهو وأسافر.. أتنفس الأيام بعمق".
ويرفض "أبو عبد الله" وصف مرحلة "أزمة العمر" بـ"الأزمة"، وتابع: "لقد أجّلنا الكثير من الأشياء الجميلة في مراحل عُمرنا الأولى.. وانشغلنا بمتطلبات الحياة وهمومها.. أليس من حقنا أن نتلمس الراحة بعد العناء"..
"هدى" في أواخر العقد الثالث من عُمرها تزوجت قبل 20 عامًا وأنجبت 4 أولاد، عاشت مع زوجها الطيب أجمل الأيام وأبهاها..
ومرت الأيام والسنون وفجأة تغير الحال وتبدل: "زوجي المثالي الذي كان يغض بصره ولا يحادث أحدًا من صديقاتي.. بات يسألني عن حال هذه وتلك.. يجلس مع فتيات العائلة ويُمازحهنّ.. أصبح يُطيل السهر خارج البيت.. ما عاد يهوى البقاء معنا.. تمضي ساعاته أمام المرآة.. لينتقي بعناية ملابسه.. هو في وادٍ ونحن في آخر".
نعم.. تغيروا
ومع أن هدى تتفنن في نيل رضا زوجها فإنه دائم العتاب واللوم: "يتهمني بالإهمال وعدم الاهتمام به، وأنني أُركز جلّ أوقاتي للبيت والأولاد.."، وتستدرك: "هل هذه هي أزمة العمر؟! حقًّا أنا في ورطة".
"سلمى" زوجة في الأربعين من عمرها يكبرها زوجها بعشر سنوات تزوجا قبل 30 عامًا.. بدأت في الآونة الأخيرة تشكو من تصرفات شريك حياتها: "حيّرني.. يأتي على تصرفاتٍ لم أعهدها منه طوال فترة زواجنا.. عرفته رجلا وقورًا هادئًا عاقلا.. أما الآن فهو إنسانٌ آخر.. يرتدي القمصان المُلونة.. يتحدث بلغة المُراهقين.. يصبغ شعره.. يُلوّح كل وقتٍ وحين أنه يريد الزواج!!".
كانت تظن أن مرحلة منتصف العمر تحمل في طياتها نسائم النضوج والاستقرار والهدوء إلا أن الصدمة كانت من نصيب أم رأفت: "عواصف الفوضى هبّت على حياتي.. والحجة جاهزة: أريد أن أعيش حياتي."، تستنكر بألم: "ما الذي دهاهم؟! هل كانوا في سجنٍ وانطلقوا إلى الحرية فجأة؟!".
يهربون!
هل كل الرجال يُصابون بـ"أزمة منتصف العُمر"؟ ويمرون بهذه المرحلة؟ أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى بغزة الدكتور "درداح الشاعر" يُجيب قائلا: "الدراسات والأبحاث التي تناولت هذا العنوان أفادت أن معظم الرجال يمرون بهذه الأزمة.. ولكن من الطبيعي أن تختلف طبيعة الحالة من رجلٍ إلى آخر بتباين الظروف والمؤثرات المحيطة به".
ويتفق د. الشاعر مع تأكيدات الأطباء النفسيين بأن أزمة منتصف العمر عملية نفسية ولا علاقة لها بالجانب الفسيولوجي، ويستدرك: "هي ليست في حد ذاتها مرضًا نفسيًّا، ولكن مضاعفاتها يمكن أن تكون مرضًا كالقلق والاكتئاب والتوتر الحاد، وهي أزمة تحدث تقريبًا بين الأربعين والخمسين من العمر".
وعن أهم الأسباب التي تدفع رجالا في العقد الرابع من عُمرهم إلى التصرف كما المُراهقين قال د. الشاعر: "هناك هاجس نفسي وأصوات داخلية تُخبرهم أن العمر أمامهم طويل وأنهم في ريعان الشباب والصِّبا فتتغير أولويات حياتهم، ويتصرفون وفق هذا الإحساس.. شعوره بالفراغ العاطفي نتيجة إهمال زوجته له وانشغالها في عالمها، وانطفاء شعلة شبابها، إلى جانب تراكم ضغوط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيحاول الهروب إلى حياةٍ جديدة خالية من الروتين".
ونصح أستاذ علم النفس الرجال بعيش كل مرحلة من مراحل العُمر بما يتناسب معها، وألا يستبدل مرحلة بأخرى، وأن يلتفت للحاضر بهدوء ويتذكر الماضي بابتسامة.
الحل موجود
"على الرجل أن يكون أكثر نضوجًا وألا ينظر إلى زوجته في الأربعين على أنها امرأة لم يَعُد لوجودها قيمة.. فعلى العكس تمامًا بإمكان هذه المرحلة أن تكون من أجمل مراحل العُمر إذا ما تم الاحتكام للعقل، فالمتعة والسعادة بين الأزواج هي التوافق والاستقرار..". وصفة علاج قدمها د. وليد شبير أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الإسلامية بغزة والذي مضى قائلا: "لا أحد يُنكر أن كثيرًا من المشاكل تؤرق الرجل في هذه السن، ويبدأ في تذكر ماضيه وشبابه ولا يريد الاعتراف بأن الأعوام مضت، فيبدأ في تقمص دور المُراهق وقد تنتابه الكآبة لرفض المجتمع لتصرفاته فينطوي وينزوي..".
وشدد د. شبير على أن الحل في تخطي هذه الأزمة بسهولةٍ ويُسـر هو تفهم الزوجة لحالة شريك حياتها، وأن تعزف بذكاء على وجدانه وتُحاول من جديد إظهار نُضجه العقلي، وأن تخرج من بوتقة الروتين ونمط الحياة الواحد، وتسعى هي لتغيير أبجديات أيامها؛ لتكون في نظره الأبهى والأحلى ليعود من جديد كما كان، ويستدرك د. شبير: "تجاوز الأزمة ليس مستحيلا.. وسنبقى نُكرر أن هذه المرحلة من العُمر تتحول عند كثيرين إلى أجمل وأروع مراحل الحياة.. فقط مطلوب مزيد من التفاهم والتقارب والاغتسال بماء الود بين الأزواج".