فتــاة عبد المنعم ريــاض !!
يكاد لايمر يوم إلا وأقرأ فيه بعضــًا مما يكتب وكثيرًا مما لايكتب ، إذ ليس كل مايكتب يستحق أن يقرأ ، وليس كل ما يقرأ بالضرورة مكتوبًا ، مع خالص عزائى لكل من توهموا أنفسهم كتابًا لمجرد أنهم يكتبون !!
ثم أما بعد .. فإن أغلب قراءاتى غير المكتوبة هى فى وجوه البشر وسلوكياتهم بكل ما فيها من صدق وزيف ، وبكل مافيها من عفوية وتصنع ، وبكل مافيها من براءة ودهاء ، إنها كتب متفردة كتبها خالق البشر ، لذا فهى واجبة القراءة على كل من يصبو إلى استخلاص الحقائق ورصد المتغيرات التى تطرأ على مجتمعاتنا فى مختلف جوانبها الحسن منها والقبيح ..
إننى الآن أمشى فى شارع الكورنيش وإلى جوارى عن اليمين المقر الرئيسى للحزب الوطنى الديمقراطى ( الحاكم ) وإلى جواره المقر الرئيسى للمجلس القومى للمرأة ، وعلى يسارى فى الجهة الأخرى سور الكورنيش الذى أحسبه يشكو إلى الله قبح الكثيرين والكثيرات من مرتاديه ومريديه ، وأحسب أن النيل يؤمن على شكواه قائلاً آميـــن !!
فى هذه اللحظات تقفز إلى ذهنى ــ دون استدعاء متعمد ــ كلمات الفنان وزير الثقافة فاروق حسنى عن فتيات الكورنيش ، كما تقفز إلى ذهنى فى نفس اللحظات ــ وأيضــًا دون استدعاء متعمد ــ تلك الضجة التى أحاطت بالإعلامية هالة سرحان فور تقديمها لحلقة فضائية عن بنات الليل فى مصر !! إذ على الرغم من أننى لم ولن أكون من المعجبين بالفنان الوزير ، ولم ولن أكون من جمهور السيدة هالة ، إلا أن أمانة الحق تقتضى أن نعترف بأن فاروق حسنى حينما قال أن أغلب فتيات الكورنيش من المحجبات لم يكن متجاوزًا للحق ، كما أن هالة سرحان حينما أشارت لتزايد ظاهرة بنات الليل لم تكن كذلك متجاوزة للحق ، ولكن الذين تجاوزوا الحق هم من هاجموهما ، فقط كل مايمكننى أخذه على ظاهر كلام الوزير ــ أما النوايا وخفايا النفوس فلا يعلمها إلا الله ــ هو جهله بمعنى الحجاب ، إذ ليست كل من غطت رأسها محجبة ، ولكن الحجاب له شقين أحدهما خاص بالملبس وله شروطه والآخر خاص بالتعاملات وله ضوابطه ، وفى تقديرى أننا نتعمد ألا نرى خطايانا ومساوئنا التى تحيط بنا من كل جانب لأننا لانريد أن نعترف ــ ولو أمام أنفسنا ــ بأننا مخطئون وفاشلون فى إصلاح أنفسنا وذوينا ومجتمعاتنا !!
والآن ثمة تساؤل عن أبنائنا وبناتنا هؤلاء ، فهل هم مذنبون أم ضحايا ؟ .. إن يقينى فى شأن هؤلاء أنهم ضحايا لمجتمع العندليب والسندريللا وسابقيهم ولاحقيهم ممن أحلوا ماحرم الله وحرموا ماأحل الله تحت رعاية الدولة التى جعلتهم نجومًا وأسوة وقدوة فزينوا للناس سوء أعمالهم بعد تغليفها بمسميات ما أنزل الله بها من سلطان ، فصرنا نرى التعاملات الجنسية المحرمة وكأنها هى الحب بعينه ، وصرنا نرى الإختلاط المنهى عنه وكأنه هو الزمالة المنشودة ، إذن فأبناؤنا وبناتنا ضحايا ولكنهم أيضـًا مذنبون ومعاقبون أمام الله عن اختياراتهم وتوجهاتهم وانسياقهم وراء الضلال وأربابه ، نعم لقد صرنا عاجزين باختيارنا وبإرادتنا عن التمييز بين الخطأ والصواب وبين الحلال والحرام لأننا لم نعد نرى لنا قدوة سوى هؤلاء الأسافل من نجوم الفن ونجماته ..
خطوات أخرى أخطوها فى نفس الإتجاه ، لتنتهى بى عند مقعد فى موقف باصات النقل العام بميدان عبد المنعم رياض ، هنا آلاف من الكتب البشرية ، أتوقف معكم عند إحداها ، إنها فتاة صغيرة بسيطة المظهر تقف على الرصيف المواجه لمقعدى إلى جانب والدها لكى تساعده فى بيع بعض الحلوى ، إنها فتاة تنتمى إلى نفس الجيل الذى تنتمى إليه ساقطات الكورنيش ومثيلاتهن ، وهى لاتقل عنهن جمالاً ، ولكنها تزيد عنهن حسنـًا فى أخلاقها وسلوكياتها التى تشرفت بقراءتها مرات متعددة وفى مواقف عديدة أكدت لى صدق رؤيتى فى هذه الفتاة ..
إن فتاة عبد المنعم رياض هذه هى بكل المقاييس أقرب من ساقطات الكورنيش إلى الإنحراف والخطيئة ، إذ من المؤكد أنها لم تنل من التعليم والرعاية والرفاهة مانالته هاتيك الرخيصات ، ومن المؤكد أيضـًا أنها واجهت مالم يواجهنه من متاعب وإغراءات وإغواءات بحكم طبيعة عملها التى تفرض عليها التعامل مع العديد من طبقات المجتمع بما فيها أقل الطبقات رقيًا وأكثرها وضاعة وأدناها آدمية ، فلماذا لم تنخرط هذه الفتاة فى مواكب قريناتها من الحالمات بقبلات وأحضان نجوم الفن وتأوهات نجماته ؟ .. لاشك أننا سنكون مخطئين إذ حصرنا إجابتنا فى حسن التربية التى تلقتها هذه الفتاة فى بيتها ، إذ المؤكد أن الكثيرات ممن تلوثن بالخطايا ولوثن بها وجه مصر وسمعتها تلقين فى بيوتهن المبادئ والقيم السليمة ولكنهن لم يعملن بها ، إذن فالإجابة التى يطمئن إليها ضميرى ويقبلها عقلى تنحصر فى أن هذه الفتاة لديها إرادة قادرة على الإختيار والتمييز ، كما أن لديها وعىٌ يقينىٌ بأنها بشرفها وطهرها أغنى وأسمى وأثمن من أن تقتدى بأى رخيص أو رخيصة أيًا ماكانت شهرتهما وأيًا مابلغت ثرواتهما وأيًا ما اتسعت دوائر المعجبين بهما والحالمين بعالمهما الرخيص !!
فقط أود أن أختتم بتحية إعزاز وتقدير لهذه الفتاة ، راجيًا من شرطة المرافق الرفق بها وبوالدها وبأمثالهما من البسطاء الذين يصرون على الكسب الحلال فى حاضر يتباهى فيه أرخص المخلوقات بثرواتهم وسلوكياتهم العفنة التى تدخل فى اختصاصات أجهزة رقابية وشرطية أخرى ، ليس من بينها شرطة المرافق !!
( هذا المقال نشر فى اللواء الإسلامى بتاريخ 29/3/2007 )