هذه المقال أرسلت بتاريخ 14/5/2008 إلى صحف : الوفد / المصرى اليوم / الأسبوع / الفجر / الشرق الأوسط / أخبار الأسبوع الدولية ، ولكن هذه الصحف ــ كعادتها معى طيلة العامين الأخيرين ــ لم تنشر المقال ، فهل لأحدكم أن يخمن الأسباب ؟؟؟؟؟؟!!!!!!
دولة رجال الأعمال ( مصر سابقـًا ) !!
أطل علينا الرئيس مبارك فى اليوم الأخير من شهر أبريل 2008 ليلقى علينا خطابه السنوى فى ذكرى عيد العمال ( وأرجو تدبر كلمة ذكرى ) ، ثم إذا به يفاجئ العمال بقراره منحهم علاوة استثنائية عاجلة بنسبة 30 % من أساسيات مرتباتهم ، وهى علاوة على ضخامتها كنسبة إذا ما ترجمت إلى نقدية سنجد أنها أضعف وأقل من أن تعالج تراكمات الحرمان والذل التى تئن من وطأتها كواهل أكابر العمال ، فما بالنا بأواسطهم وصغارهم !!
وقد كتب العبد الفقير إلى الله مقالاً إستباقيًا ( وفق مصطلحات عولمة بوش ) قبل إلقاء الرئيس لخطابه بأيام عدة ، وقد كان المقال يحمل عنوان ( وابل فوق الرمال ) ، وقد عبرت فيه عن خشية عمال مصر على علاوتهم المنتظرة من أن يتم ابتلاعها وامتصاصها وهضمها فى بطون شبكة رجال الأعمال التى لا تشبع ولا تقنع ويبدو أنها لن ترضى إلا بأحد أمرين ، فإما أن يموت العمال وذويهم بداء الشرف الذى أشبعهم جوعًا وأثراهم فقرًا ، وإما أن يبرأوا من هذا الداء بالتحول عن عالم القيم إلى عالم الغابة بكل مافيه من قيم الفساد التى أفرزها تحالف السلطة والمال لكى تتيح له الخروج الآمن على كل مألوف ومقبول ومعقول دون أدنى مساءلة !!
ثم إننى قد أرسلت ذاك المقال إلى العديد من الصحف المعارضة والمستقلة التى سبق لى انشر فى أغلبها ، ولكن مقالى لم ينل رضوانهم ، وهو أمر تكرر كثيرًا طيلة العامين الأخيرين لأسباب هم أدرى بها منى ، ولكنها فى كل الأحوال لن تخرج عن إطار رئيسى ألا وهو أن هذه الصحف صارت تدار وفى خلفيتها حسابات خاصة تدفعها نحو أهداف خاصة من المؤكد أنها لا تمت بصلة قرابة أو نسب لحسابات وأهداف الإصلاح الذى نتمناه والتى سبق لهذه الصحف أن رحبت بكتاباتنا من أجله .
ثم كان خطاب الرئيس وقراره الخاص بالعلاوة الإستثنائية العاجلة ، وما هى إلا أيام لا تجاوز أصابع اليد الواحدة حتى خرج علينا حفنة من أرباب السلطة بإعلان مقيت عن زيادات فى أسعار بعض السلع ومنها البنزين والسولار ، وقد صاحب هذا الإعلان وعود معتادة من تلك الحفنة تؤكد أن هذه الزيادات لن تؤثر سلبًا على مستوى معيشة البسطاء ، وهى وعود تسخر من الشعب ويسخر هو منها فى مسلسل هابط لاندرى متى ينتهى ، إذ من المؤكد أن الحكومة تعلم أن الشعب يعلم أن أية زيادات فى سلعة رئيسية كالبنزين والسولار سوف تؤثر بصورة مباشرة وحتمية على أحد العناصر الرئيسية التى تدخل فى حسابات التكلفة لكافة المنتجات السلعية والخدمية وأعنى به عنصر النقل ، وبالتالى فإن هذه الزيادات فى التكلفة ستصب فى السعر النهائى لبيع مختلف السلع والخدمات التى يستهلكها جميع المواطنون بمن فيهم البسطاء الذين سخرت منهم الحكومة دون أن تدرى أنها سخرية متبادلة وإن كانتا مختلفتين فى المعنى !!
إننى أتوقف أمام التوقيت الذى صدرت فيه القرارات الخاصة بزيادة الأسعار ، وأتوقف أمام الفاصل الزمنى بينها وبين قرار الرئيس بمنح عمال مصر العلاوة الإستثنائية ، لأخلص منهما بالآتى : ــ
1 ــ أن الحكومة خططت لهذه الزيادات قبل أن يلقى الرئيس خطابه ن ونحن هنا أمام احتمالين أحلاهما مر بل شديد المرارة ، فإما أن الرئيس حين إلقائه لخطابه كان يعلم بهذا التخطيط الحكومى وبتوقيت إعلانه ، وإما أنه فوجئ بالتخطيط والتوقيت !!
2 ــ أننى أرجح أن التخطيط والتوقيت لم يكونا سريين ، إذ المتابع لمجريات الأحداث فى الفترة الأخيرة التى شهدت المزيد من الإضرابات والإضطرابات فى الأوساط العمالية ، سوف يتذكر أن العديد من قيادات الحزب الوطنى قد أدلت بتصريحات مفادها أنهم يبحثون عن مصادر تمويل حقيقية لتمويل زيادة المرتبات ، ويبدو أنهم لفرط سخرية الزمان بأهله وضيق المكان بساكنيه لم يجدوا مصدرًا للتمويل أجدى وأولى من البنزين والسولار !!
3 ــ أننى صرت على يقين يستند إلى خبرات السنين وأحداثها ، أن الحكومة الحالية من الظلم أن نميزها عن سواها بصفة الذكية ، فكل حكوماتنا ولله الحمد ذكية وتعرف كيف تخطط وكيف تنفذ وكيف تناور وتتفلسف لكى تبقى ، ولكن أخشى مأخشاه أن تتميز الحكومة الحالية بمجموعة من السياسات الإقتصادية التى تمهد لإعلان دولة رجال الأعمال ، وهى دولة فى تقديرى لن تمنح جنسيتها ولا حقوق مواطنتها إلا لإنسان لم يعد إنسان .. فحسبنا الله ونعم الوكيل !!