حينما تصمت الكلمات و يتكلم الصمت فيبلغ من غير قول و بفصح من غير تصريح و لا حتى من غير تلميح لكنه مع ذلك يخترق السمع اختراقا و ينفذ إلى الآذان و يذهب عميقا عميقا إلى القلوب فتهب لنجدته كل الحواس و الأعضاء
فالشفتان المطبقتان لا تقويان على الكلام و العينان ذابلاتان شاخصتان قد تلوّنت بكل الألونة علّها تفشي السر الذي لم تبح به الشفتان و الحاجبان مقطبان عاجزان و البسمات و الضحكات محتجزة لا يحبسها القلب
بقدر ما يحتجزها العقل في ذالك السجن المكفهر الرهيب .
فالقلب مقفل مسدود متضخم حتى الانفجار لكنه يدفع بجم غضبه للعقل الذي يكبحه
و يظل يكبحه و تظل حالة الصمت مستمرة لكنها أبلغ من أي قول و أجزل من أي شعر هو الحزن إذن أم السكون ام العجز لكنه لن يظل طويلا اعدكم انه لن يستمر كثيرا .
سيضخ القلب كل حزنه وآلامه فتطير بها الأعصاب على العقل الذي يسرّبها في منطق مذهل إلى العين فتحيلها إلى دموع تغسل ذلك اللهب المستشيط و لا تنفك الدموع عن الانهمار في صمت ثقيل لن تصمد الشفتان أمامه طويلا
فتنفتح كفوهة البركان المتصاعد بالحمم و الأهات ساندة قطرات الدمع الحارة التي تشق الخدين شقا و يتنفس القلب الصعداء مع كفكفة الدمع و شهيق الحلق .
و تسكن الأعضاء من جديد لنقاهة قصيرة تغفو فيها العين الدامعة و تنطبق فيها من جديد الشفاه المبلولة في سبات قصير قد يدوم برهة كدهر أو دهرا كبرهة فالزمن هنا لا يقاس بقدر ما تقاس الآلام .....
أيتها الجوارح انتفضي و قومي ، لا يتملكّنك الحزن فتصابي بالعجز و من ثمة الموت
اغسلي عنك هذا الدمع ،أزيحي عنك هذه الغمامة السوداء ،لا تستسلمي كورقة ذابلة في مهب الريح ، ابحثي عن الفرحة بل اخليقها إن لم تجديها .كفاك حزنا و غما فالعمر أقصر من أن يتحمل كل الأشجان و الروح أعذب من يسلط عليها كل هذا العذاب .
ثقيلة هي البسمة التي ترتسم ككذبة لتتلاشى بعدها سريعا سريعا كأنما هي مدعوة في مكان آخر لتلبس روحا اخرى أكثر حياة فهذه تبدو ميتة .
لا تدعي بسمتك تسرق منك أيتها الروح الذابلة ، أعيدها إليك بكل قوة ، لملمي أشلائك و ارسميها على شفتيك و انظري حولك ، غضي بصرك عن الشوك
حسبك الورد تأمليه حتى تسترجعي بسمتك الضائعة و اقتربي مني شيئا فشيئا ، تسربي إلي و ابعثي الحياة في جسدي الهامد فلا شيء يستحق كل هذا الحزن وإن لم تكن للفرحة معنى بدونه .