ذهبت إلى السوق , فرأيت تلك الفتاة التي لا يضاهي جمالها جمال , وكأنَّ الجمال قد اجتمع في محياها , وعلى وجنيتها , ومن بين خديها , ثم وجدت القلب ينبض , فوجدت يدي تُخرج الهاتف , وتفعَّل وتفتح خاصية البلوتوث , فظهر رقمي لها , فقلت بصوت خافت { شغلي البلوتوث طال عمرج } ففتحت البلوتوث ووجدت الرقم , فذهبت إلى البيت بعد أن أخذت جولة في المحلات , لم تكن لشراء شيء , بل كانت لإمتاع النظر واستنشاق الأطياب في تلك المواطن البغيضة عند الله وهي الأسواق , وأقصد بالأطياب , أطياب النساء , وأقصد بالنظر , التمعن بالإبداع الإلهي كما يقول صاحب الصفحة الأخيرة في صحيفة الوطن .
وعند الحادي عشرة ليلاً وجدت اتصالاً , فنظرت إلى الرقم , فأوحى إليَّ من تشتته أنَّه سائق المطعم , وعندما أجبت المتصل وإذ بصوت جميل , فسألتها من أنتِ , فقالت أنا الذي رأيتني في ذلك المحل , فبدأت قصة الحب معي ومعها من أول نظرة , ومن أول نبرة , يا إلهي ولا روميو وجوليت !
تخيل يا قارئي لو خرجت فتاة لنا وقالت : أحبه وايد والله إنه طيب .
فنسألها كيف عرفتِ أنَّه طيب , قالت : يطرشلي كروت إيزي وايد .
سبحان الله , أهذا الحُب الذي يتكلمون عنه قبل الزواج !
وهنا سؤال سأطرحه أرضاً في مقالي لكم , وهو ما الذي دعاها للحب , أو دعاه للحب , أهو الشكل ! فلو رأيتِ أجمل منه { مثلي مثلا } ما الذي ستفعلينه , أم هو الصوت والأسلوب , فإن رأيتِ أفضل منه في أسلوبهِ وثقافتهِ !
أم هي الطيبة , فتلك كذبة عظيمة انطوت عليكِ , فأي طيبة تُكتشف بالمكالمات , أم أي طيبة تُكتشف بالمقابلات !
هل هذه الطيبة تجعل تلك الفتاة سلعة للنظر والسماع والتمتع في يد الشاب يسمعها ويتمتع بها وينظر إليها وهي لا تحل له وتظن أنَّه طيب وفيه طيبة , لا والله إنَّه { ردي } ووضيع!
بالله سليه يا فتاة , هل أختك مثلي في هذا الموقف مع شاب آخر , فإن لم يقل { معصي } فتأكدي أنَّه ديوث لا كرامة له , وأنَّك ستكونين مع شخصٍ من فئة غريبة والغيرة عندها معدومة .
لنقل أنَّكِ تزوجتيه عن حُب قبل الزواج , ونحن قد أبطلنا هذه الدعوى قبل قليل , ولكن لنسلم تسليماً جدلياً بحبك المكذوب وحُبه المدعي , فتزوجتم , هنا سلي أنتِ نفسك , كيف تجرأ وتعرف علي , وكيف دخل علي وكوَّن معي علاقة ورآني وكلمني , لا بد أنَّه بنفس الطريقة والنمط دخل على غيري وعرف غيري بنفس النهج الذي استخدمه معي , أليس ذلك قول قوي ويقبله العقل الباطن الذي سيصرف هذا الشعور إلى نظراتك وعلاقتك مع زوجك التي ستصبح جحيم بعد ذلك وشك وريبة !
وبالمثل يا زوجها وبعلها العزيز , لماذا لا تظن أنَّها قد قبلت غيرك كما قَبِلتك , ألا يوجد رجل ألبق منك في أسلوبه فتعرف عليها , وأوسم منك في منظره قبلت بهِ واستلطفته !
فتيات ساذجات فعلاً , مسكينة تلك الفتاة التي ضحكت على نفسها قبل أن يضحك عليها الشاب الوضيع بأكذوبة { أحبج } فماطل بها حتى أمتع جوارحه , وجعل لها حثالة وقتهِ ليجلس ويسمعها , أو ليخرج معها ويراها .
وكوني على ثقة يا أختاه , شخص يجعلك تخرجين لتقابليه , ليس برجل , إنما هو ذكر , ولا يستحق من لفظ الرجولة شيء , وأقسم بالله إنِّك عنده أهون وأحقر وأذل مخلوقة , فلا يراكِ إلا تسلية ومتعة .
كانت هناك إمرأة قرشية نسيبة , وكان عندها عبد مخصي , أي ليس له من الشهوة شيء , لأنه مخصي , من العبيد المخصيين , وكانت جالسة في صومعتها واضعة غطاء رأسها , فدخل عليها ذلك العبد المخصي على حين غفلة فرأى شعرها , فذهبت وحلقت رأسها برمته , فدخلت عليها النساء وقالت إحداهنَّ ما دعاكِ لذلك , قالت : والله ما كنت لأذر شعراً رآه منِّي غير ذي محرم .
تلك عزة المرأة العربية العزيزة في نفسها , انظر كيف تتكلم وكيف تفكروماذا يمثل عندها شرفها وعفتها , فهل فكرتِ يا أختنا الكريمة في أهلك وأبويك وذويك وكيف ستدمرين سمعتهم وتدنسين عرضهم بهذه العلاقة التي ترجين من ورائها الزواج وهو أبعد عنك كبعد المشرقين !! وإن حصل فعلى سوءات وسيئات ومغبات !!
إن الحُب الذي ينشأ بعد الزواج بالمواقف الدافئة والخاصة جداً لحبٌ نزيهٌ نظيف يبني ولا يهدم , يبني في نفس الإنسان طوداً من المحبة والألفة .
لقد عرضت في بداية مقالي صورة من صور التعارف قبل الزواج , وهي صورة السوق والترقيم , ولو سردنا الصور الأخرى لوجدناها أقبح وأوضع بكثير من الترقيم , فالتعارف الآن أصبح بالإيميل , ومن الطرائف التي تُقال في بعض المنتديات أو المحادثات الكتابية { حبيتج من أول حرف } وهل هذا يعقله عاقل !!
إن الوسائل التي يتم فيها الحب قبل الزواج لهي وسائل مشبوهة وقبيحة لا مِراء في ذلك ولا جدال .
ومن الغريب على مجتمعنا أنَّ تُناقش مثل هذه المواضيع وأعني مواضيع الحب بكل أريحية { أقصد بهِ الحب قبل الزواج , أو مع وقف تنفيذ الزواج } على شاشة التلفاز وكأنَّه أمر طبيعي وليس في ذلك وقاحة وجرأة قبيحة !
فتاة تتصل وتقول { أمي فلانة أحبه مو قادرة أخليه يمه لحقيني } وكما يقول ابن عمي أبو شليويح { حبج برص } أيُّ حُبٍ هذا , فتاة تعاني من فراغ ووقتٍ فارغ من أي شغل ثم أتى هذا الشاب ليكذب عليها وهي بكل سذاجة تصدقه وتسلم لهُ نفسها !
وهنا أرجع قليلاً إلى موضوع المقال , فأقول لو كان الحُب قبل الزواج ضروري , لكان من أركان عقد الزواج , أن يكتب العاقد { يجب أن يحب الخاطب خطيبته ويخرج معها ويكلمها في منتصف الليل } وذلك ليتم كمال الحُب وذورته , ثم يأتي بعد ذلك الزواج وعقده وحفل الزفاف , ويكون قد أتى الزواج بوقت متأخر جداً , لأن الأمر وقتها قد فات وأتى ولي العهد !!
ونقول رضي الله عن سعد بن عبادة , عندما تمتطي زوجته الفرس لا يبيعها , بل كان ينحرها بسيفه لكي لا يركب تلك الفرس أحد من بعدها , فأقول أنا لا تفجروا سياراتكم , بل فقط احفظوا أهلكم واحفظي نفسكِ يا فتاة !