الإسلام كلٌ متكامل، يجب أن نأخذه جميعاً، وأن نطبق كل تعاليمه حتى نحصل على النتيجة، وهي السعادة في الدنيا والآخرة، وألا نكون مثل أهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. الإسلام كذلك أمرنا بأخلاق عظيمة، وقال عليه الصلاة والسلام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، ونهانا عن أخلاق سيئة تؤثر علينا وتضر بنا وتكدر صفو حياتنا، ومن هذه الأخلاق السيئة إساءة الظن، قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث). والظن السيئ فكرة عميقة تتكون داخل الإنسان وتتأصل داخل شخصيته، وهي في نظري أشد من الغضب بل هي التي تشعل الغضب وتلهبه. وذلك المتفائل في الغالب يملك نفسه عند الغضب؛ لأنه يحسن الظن، أما المتشائم فهو سريع الغضب والانفعال، وهذا يعود إلى الفكرة الفاسدة التي ينطوي عليها ويغذيها ويمدها الشيطان، وهي إساءة الظن. إساءة الظن هي بذرة فاسدة تنبت مع الأيام ويشتد عودها وتترسخ جذورها عن طريق إهمال الشخص لنفسه وجهله بها، وهذه الشجرة إذا تمددت وتجذرت تثمر ثمارا فاسدة وأخلاقاً بذيئة تؤذي صاحبها قبل انتقالها للآخرين، فتثمر الحقد والتجسس والغيبة والسخرية والتشاؤم.. إلخ؛ ولذلك يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}. فالظن السيئ يولد التجسس ويولد الغيبة ويجعل هذه الشخصية منطوية على السواد وعلى التشاؤم وتوقع الأسوأ (يحسبون كل صيحة عليهم). وأنا هنا لا أخاطب الذين يدفعون خواطر الظن السيئ بالظن الحسن ويرجحون جانب الخير على جانب الشر ويمتثلون معنى هذه الآية {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا}، وإنما أوجهه وأركزه على الذين لم يفتحوا على أنفسهم باباً واحداً بل أبواباً يعمل من خلالها الشيطان ويبث وساوسه ويخطرهم بالأفكار والظنون الفاسدة، وإلى الذين يزعمون أنهم يقرؤون الوجوه ويحورون الكلام ويتجاوزون الحجب لمعرفة البواطن والحساب على النوايا، فيعطون أنفسهم قدرا لم يعطوه، ويمرضون أنفسهم وهم لا يعلمون. نحن أمة ما يميزنا أننا نؤمن بالغيب؛ ولذلك وصفنا الله في أول سورة البقرة بقوله {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، فتعاملنا مع الغيب والإيمان والتسليم به. وعقولنا تقف عاجزة أما الخلق المحسوس فما بالك بغير المحسوس، وإن اغتررنا بقدرتنا ومعرفتنا وبحثنا بعقولنا أمورا لا تعيها ويستحيل أن تدركها ضللنا أو أضللنا. لكن ما علاقة هذا بموضوعنا؟.. علاقته أن سيئ الظن يخوض في النوايا ويحكم على الغيبيات بل يحاسب الأشخاص على أشياء ما قصدوها، لكن ظنه السيئ هو الذي حورها وجعلها بهذا السوء. وربنا سبحانه العظيم الجليل لا يحاسب على ما نحدث به أنفسنا ما لم نتكلم أو نحدث فعلا.. فسيئ الظن قد يهدم بيته بسبب فكرة خطرها الشيطان في نفسه عن زوجته ولم يدافعها ويعتقد جانب الخير في زوجته ويستحضر خيرها وصلاحها وبرها وعبادتها وصلاتها، لا بل راح يخبط في ظنون السوء والشيطان هو الذي يمده ويغذيه حتى وقع ما وقع من طلاق وتفرقة أو حياة شقاء.
وسيئ الظن في تعاسة وشقاء؛ فهو ضيق الصدر حرجه؛ لأنه قد أضاع وقته واستهلك طاقة عقله في تحليل الأقوال والنظرات والأفعال، بل لو حصل له أن يتجاوز المحدود إلى اللامحدود ويدخل إلى بواطن الناس ويطلع على ما تكنه صدورهم ويقرأ ما تجول به خواطرهم لما توانى. ولن أقع هنا فيما يقع فيه بعض الأطباء النفسيين من تفسير كل حركة يصدرها الشخص أو إخفاق في جانب من جوانب الشخصية بأنها مرض نفسي وعلاجها بكبسولة مخدرة تُشترى من أقرب صيدلية، وأن أضيع وقت اللقاءات والجلسات بوصف المشكلة وزيادة المهموم همّا والمغموم غمّا دون أن أضيء له الطريق بحل المشكلة والعلاج.. فأنا هنا لن أطيل بالتعريف بسيئ الظن وإنما أدعو سيئ الظن إلى الآتي:
إساءة الظن خلق من الأخلاق السيئة، وهي عادة من العادات التي تقوى وتتمكن كلما أعيدت وكررت، وتضعف وتتلاشى كلما دفعنا فكرة إساءة الظن بإحسان الظن مباشرة عند مرورها، وأيضاً لا بد من تصحيح النظرة للناس وكل من حولي بأنهم طيبون وفيهم خير كثير، فهم لا يقصدونني وليس فيهم سوء وهم عندهم من الهموم والمشاغل ما يجعلهم يفكرون في أنفسهم أكثر مما يفكرون في الإساءة إليّ. (يروى أن الإمام الشافعي رحمه الله حين مرض وأتاه بعض إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوى الله ضعفك، قال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني، قال: والله ما أردت إلا الخير. فقال الإمام: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير). فالمسلم مطالب بأن يحسن الظن بإخوانه ويلتمس لهم الأعذار حتى روي عن بعض السلف أنه قال (التمس لأخيك سبعين عذراً).
ولا تتصور أخي الكريم أن القضية سهلة وأنك تصبح حسن الظن بعدما تنتهي من قراءة المقال! القضية قناعة وتغيير، فإذا وافقت على استبدال هذا الخلق السيئ بخلق حسن فأنت قطعت نصف المشوار وما بقي عليك إلا أن تعزم وتتوكل على الله وتبدأ في مكافحة هذه العادة السيئة، وستجد صعوبة لأنها عادة متأصلة، لكن مع الدعاء واللجوء إلى الله ستلاحظ أنها تتلاشى يوماً بيوم، وكل يوم لا بد أن تستفتحه بالتفاؤل وأن أنفس الناس مليئة بالخير وأنهم معك وليسوا ضدك، وتجاهد نفسك على أن يكون تفكيرك مسلطا على كل ما هو إيجابي في حياتك.. واحذر أن تسمح لفكرة سلبية أن تشوش صباحك وتلخبط حياتك وتضعف يومك، فالحياة عبارة عن أيام، وكل يوم له رصده وحسابه، وربك كل يوم هو في شأن، فمن أمسى مهموماً سيصبح سعيدا، ومن أمسى فقيراً سيصبح غنياً، وهكذا الحياة لا تصفو لأحد، كلا.. ولا تطبع دائماً على كدر.
فكما قلت لك الحياة تحسب بالأيام لا بالسنوات، وكل يوم له قدره وحسابه، وربك كل يوم هو في شأن، فاحرص واعزم من بداية يومك على أن تحسن الظن، فمثلا حدثت أمامك حادثة معينة إما قابلك أحد بكلام أو بنظرات صدرت من جلسائك ظننت أنك مقصود بها، فوراً قبل أن تتفاعل معها سلباً اقلبها إيجاباً، وهكذا يومياً، داوم على هذا الفعل، ومع الصبر والعزم والمثابرة ستجد أنها بدأت تأفل وتغيب بإذن الله.