بسم الله الرحمن الرحيم
الغيبة مَرْعى اللِّئام
19 ربيع الآخر 1429، وفق : 25/4/2008م
======================================== ==================
الخطبة الأولى : أما بعد ؛ فيقول ربنا سبحانه وتعالى :} وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا{ [الحجرات:12]. نهى الله تعالى في هذه الآية عن الغيبة . والغيبة عرفها نبينا e ، فلا حاجة لنا إلى تعريف غيره ، فعن أبي هريرة t أن رسول الله e قال :«أتدرون ما الغيبة» ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال :«ذكرك أخاك بما يكره» . قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال :«إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» ([1]). ففي هذا الحديث عرف النبي e الغيبة ، وبه فرق لنا بين آفتين من آفات اللسان : الغيبة ، والبهتان . ومن صور الغيبة قول بعضهم عند ذكر شخص : أستغفر الله ، الله يعافينا ، الله يتوب علينا ، نسأل الله السلامة، ونحو ذلك من العبارات التي يُراد بها القدح فيه . فكل عبارة أفهت قدحاً في معين ولو بدون ذكر اسمه فهذا من الغيبة . لقد حُرِّمت علينا الغيبة بثلاثة أنواع من الأدلة : بكتاب الله ، وسنة رسول الله e ، وبإجماع أهل العلم . قال الله تعالى :}وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا{ . وفي السنة قول نبينا e :«فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ ، وَأَمْوَالَكُمْ ، وَأَعْرَاضَكُمْ ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ؛ فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ» ([2]). وأجمع العلماء على تحريم الغيبة ([3]). عباد الله : لقد زجرت نصوص القرآن من هذا الخلق المرذول .. فلقد ضرب الله أسوأ الأمثلة لمن وقع في هذه المعصية فقال :}وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ{ [الحجرات :12] . أي : " فكما أنكم تكرهون أكلَ لحمه - وخصوصًا إذا كان ميتًا فاقد الروح- فكذلك فلتكرهوا غيبته، وأكل لحمه حيًا" ([4]). وقد وقع رجل في عرض أخيه بمجلس رسول الله e ، فَقَالَ النَّبِيُّ e :«تَخَلَّلْ» . قَالَ: وَمَا أَتَخَلَّلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلْتُ لَحْمًا؟ قَالَ: «إِنَّكَ أَكَلْتَ لَحْمَ أَخِيكَ» ([5]). وهذا الخُلق ينقل الإنسان من دائرة الإيمان إلى حضيض الفسق ، قال تعالى: }ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان{ [الحجرات:11]. "قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل بن حَيَّان: } وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ { أي: لا يطعُن بعضكم على بعض " ([6]). ومن فعل ذلك استحق اسم الفسق بعد أن كان مؤمناً . وهو من أسباب دخول النار ، قال تعالى :} ويل لكل همزة لمزة{ [الهمزة:1]. فالهمز : الطعن بالقول ، واللمز الطعن بالفعل ، والويل : وادٍ في جهنم . وأمعن النظر يا عبد الله في هذه الأحاديث ؛ لتقف على حقيقة وخطورة هذه المعصية : فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كنا مع النبي e ، فارتفعت ريح منتنة ، فقال رسول الله e : «أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين» ([7]). وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت للنبي e : حسبك من صفية كذا وكذا ؟ -قال بعض الرواة : تعني قصيرة - فقال لها :«لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» ([8]). لو جعل الله هذه الكلمة مادة محسوسة وجعل لها لوناً وأُلقي بها إلى بحر لتغير لونُه بها ! زينب رضي الله عنها قالت يوماً للنبي e : أنا أعطي تلك اليهودية –تريد صفية رضي الله عنها ، بسبب ما يكون بين الضرائر – قالت عائشة : فغضب رسول الله e ، فهجرها ذا الحجة ، والمحرم ، وبعض صفر ([9]). وعن البراء بن عازب t قال : قال رسول الله e :«الربا اثنان وسبعون باباً ، أدناها مثل إتيان الرجل أمه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» ([10]). إن الغيبة معصية لا يمكن صدورها عمن كان قلبه عامراً بالإيمان ، أما قال رسول الله e يوماً لأصحابه :« يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ؛ فإنَّه مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» ([11]) . وإنّ الغيبة لمن أسباب عذاب القبر .. فعن أنس t قال : قال رسول الله e :«لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ» ([12]). وعَنْ يَعْلَى بْنِ سِيَابَةَ t : أَنَّ النَّبِيَّ e مَرَّ بِقَبْرٍ فَقَالَ :«إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ يُعَذَّبُ فِي غَيْرِ كَبِيرٍ ([13])» . ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ ، فَوَضَعَهَا عَلَى قَبْرِهِ ، فَقَالَ :«لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ مَا دَامَتْ رَطْبَةً» ([14]). والغيبة هلاك في الآخرة : فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ t قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ e حَاجًّا ، فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ ، فَمَنْ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ ؟ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا ؟ فَكَانَ يَقُولُ :«لَا حَرَجَ ، لَا حَرَجَ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ ، فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ وَهَلَكَ» ([15]) . اقترضه : أي نال منه بالغيبة . والغيبة من أسباب دخول النار -عياذاً بالله - : قال e :« مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا مِنْ جَهَنَّمَ» ([16]) . قال في عون المعبود :" « مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً» : أي بسبب اغتيابه " ([17]). بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ... الخطبة الثانية : أما بعد ؛ فالواجب على من سمع الغيبة أن يذب عن إخوانه ، ويردع قائلها .. دلت سنة نبينا e القولية والفعلية على ذلك : أما السنة الفعلية فإنّ النبي e لما رجم ماعزاً t قال رجلان أحدهما للآخر : انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ . فَسَكَتَ رسول الله e عَنْهُمَا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ ([18]) ، فَقَالَ :«أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ» ؟ فَقَالَا : نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ :«انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ» . فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا ؟ قَالَ :«فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا» ([19]). ولما ذكرe مالكَ بن الدُّخْشُن قال رجل : إنه منافق . فقال زاجراً له :« لَا تَقُلْ ذَلِكَ ؛ أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» ([20]). وندب رسول الله e إلى ذلك بسنته القولية .. فقد قال e :«مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنْ النَّارِ» ([21]). وللترمذي :« مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وقال e :« مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ . وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ ، إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ» ([22]). وهكذا كان أصحاب نبينا e يذبون عن عرض إخوانهم .. فلقد سأل النبي e عن كعب بن مالك لما خرج إلى تبوك ، فقال بعض القوم : حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ([23]) . فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ t : بِئْسَ مَا قُلْتَ ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا . فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ e ([24]). قال النووي رحمه الله :" هذا دليل لرد غيبة المسلم الذي ليس بمتهتك في الباطل ، وهو من مهمات الآداب ، وحقوق الإسلام " ([25]) . وقال أيضاً :" اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها ويزجر قائلها ، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده ، فإن لم يستطع باليد ولا باللسان ، فارق ذلك المجلس ، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق ، أو كان من أهل الفضل والصلاح ، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر" [26] اللهم أصلح أحوالنا ...